ابن أبي أصيبعة
273
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
فإنهما كانا متعاصرين ، غير أن مالكا لم يقيد عنه إلا قليل ندر في أول الصناعة الذهنية ، ثم أضرب الرجل عن النظر ظاهرا « 1 » في ( هذه ) « 2 » العلوم وعن التكلم فيها ، لما لحقه من المطالبات في دمه لسببها ، ولقصده الغلبة في جميع محاورته في فوز المعارف ، وأقبل على العلوم الشرعية ، فرأس فيها وزاحم ذلك ، لكنه لم تكن تلوح على أقواله ضياء هذه المعارف ولا قيد فيها سببا ألقى بعد موته وأما أبو بكر فنهضت به فطرته الفائقة ولم يدع النظر والتنتيج والتقييد لكل ما ارتسمت حقيقته في نفسه على أطوار أحواله ، وكيف ما تصرف به زمنه وأثبت في الصناعة الذهنية . وفي أجزاء العلم الطبيعي ما يدل على ( حصول هاتين ) « 3 » ( الصناعتين في نفسه ) « 4 » صورة ينطق عنها ، ويفصل ويركب فيها فعل المستولى على أمدها ، وله تعليق في الهندسة وعلم الهيئة ، يدل على بروعه في هذا الفن ، وأما العلم الإلهى ، فلم يوجد في تعاليقه شئ مخصوص به اختصاصا تامّا ، إلا نزعات « 5 » تستقرأ من قوله في رسالة الوداع ، واتصال الإنسان بالعقل الفعال ، وإشارات مبددة في أثناء أقاويله لكنها في غاية القوة « 6 » ، والدلالة على نزوعه في ذلك العلم الشريف ، الذي هو غاية العلوم ومنتهاها ، وكل ما قبله من المعارف فهو من أجله وتوطئة له . ومن المستحيل أن ينزع في القوطئات ، وتنفصل له أنواع الوجود على كمالها ، ويكون مقصرا في العلم الذي هو الغاية ، وإليه كان التشوق بالطبع لكل ذي
--> ( 1 ) في أ : جاهلا . ( 2 ) ما بين الخاصرتين ساقط من : ب ، ه . ( 3 ) في ب ، ه : هذين . ( 4 ) ما بين الخاصرتين ساقط من : ه . ( 5 ) في أ : برعايات . ( 6 ) في ه : المقصود .